ابن كثير

329

البداية والنهاية

( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) [ الأنفال : 44 ] . فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة ، وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء ) فإن المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا ، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة ( 1 ) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا ، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا . ولهذا قال : ( والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار ) . قال إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيد ( 2 ) وعبد الله [ قال ] : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أني لأقول لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين ؟ فقال أراهم مائة . قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا : لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا : احزر لنا القوم أصحاب محمد ، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة ( 3 ) رجل يزيدون قليلا ، أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد . قال : فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم فقال : ما رأيت شيئا ، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا ( 4 ) تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم ، حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم [ يا معشر قريش ] ( 5 ) ؟ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها ، والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال وما ذاك يا حكيم ؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ، قال : قد فعلت . أنت علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله . فأت ابن الحنظلية ( 6 ) - يعني أبا جهل - فإني لا أخشى أن يشجر ( 7 ) أمر الناس غيره ، ثم قام عتبة

--> ( 1 ) في الأصل : السابقة وهو تحريف . ( 2 ) في دلائل البيهقي ج 3 / 67 : أبي عبيد . ( 3 ) في رواية البيهقي : عنه : ثلاثمائة وخمسون . ( 4 ) البلايا : جمع بلية ، قيل هي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت . وفي ابن الأثير : الولايا وهي جمع ولية : البرذعة . ( 5 ) من دلائل البيهقي 3 / 65 والخبر في سيرة ابن هشام 2 / 274 وكامل ابن الأثير 2 / 123 . ( 6 ) قال ابن هشام : الحنظلية أم أبي جهل ، وهي أسماء بنت مخربة أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم .